ابن كثير
252
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
ورسوله صلى اللّه عليه وسلم فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ أي كانت عقوبته بما يناسبه فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وهم عاد ، وذلك أنهم قالوا : من أشد منا قوة ؟ فجاءتهم ريح صرصر باردة شديدة البرد ، عاتية الهبوب جدا ، تحمل عليهم حصباء الأرض فتلقيها عليهم ، وتقتلعهم من الأرض ، فترفع الرجل منهم من الأرض إلى عنان السماء ، ثم تنكسه على أم رأسه فتشدخه ، فيبقى بدنا بلا رأس ، كأنهم أعجاز نخل منقعر . وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وهم ثمود ، قامت عليهم الحجة وظهرت لهم الدلالة من تلك الناقة التي انفلقت عنها الصخرة مثل ما سألوه سواء بسواء ، ومع هذا ما آمنوا بل استمروا على طغيانهم وكفرهم ، وتهددوا نبي اللّه صالحا ومن آمن معه وتوعدوهم بأن يخرجوهم ويرجموهم ، فجاءتهم صيحة أخمدت الأصوات منهم والحركات . وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وهو قارون الذي طغى وبغى وعتا ، وعصى الرب الأعلى ، ومشى في الأرض مرحا ، وفرح ومرح وتاه بنفسه ، واعتقد أنه أفضل من غيره ، واختال في مشيته ، فخسف اللّه به وبداره الأرض ، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة . وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وهو فرعون ووزيره هامان وجنودهما عن آخرهم أغرقوا في صبيحة واحدة فلم ينج منهم مخبر وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ أي فيما فعل بهم وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ . أي إنما فعل ذلك بهم جزاء وفاقا بما كسبت أيديهم ، وهذا الذي ذكرناه ظاهر سياق الآية ، وهو من باب اللف والنشر ، وهو أنه ذكر الأمم المكذبة ، ثم قال فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ أي من هؤلاء المذكورين ، وإنما نبهت على هذا لأنه قد روى ابن جريج قال : قال ابن عباس في قوله : فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً قال قوم لوط وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا قال : قوم نوح ، وهذا منقطع عن ابن عباس : فإن ابن جريج لم يدركه . ثم قد ذكر اللّه في هذه السورة إهلاك قوم نوح بالطوفان ، وقوم لوط بإنزال الرجز من السماء ، وأطال السياق والفصل بين ذلك وبين هذا السياق ، وقال قتادة فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً قال : قوم لوط ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ قوم شعيب ، وهذا بعيد أيضا لما تقدم ، واللّه أعلم . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 41 إلى 43 ] مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ( 41 ) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 42 ) وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ ( 43 ) هذا مثل ضربه اللّه تعالى للمشركين في اتخاذهم آلهة من دون اللّه يرجون نصرهم ورزقهم ، ويتمسكون بهم في الشدائد ، فهم في ذلك كبيت العنكبوت في ضعفه ووهنه ، فليس في أيدي هؤلاء من آلهتهم ، إلا كمن يتمسك ببيت العنكبوت ، فإنه لا يجدي عنه شيئا ، فلو علموا هذا الحال لما اتخذوا من دون اللّه أولياء ، وهذا بخلاف المسلم المؤمن قلبه للّه وهو مع ذلك يحسن